|
منهجية الجيش الاسلامي في العراق |
|
|
منهجية الجيش الاسلامي في العراق
توفيق الباري في بيان أهم ما يهم الساري مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ،ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)،(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) ، أما بعد:-فإنَّ العمل الإسلامي مشروع متكامل مبني على ركنين أساسيين هما : 1- الدعوة إلى الله ( كتاب يهدي ) (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الإسراء:9) 2- القتال في سبيل الله سبحانه(سيف ينصر) ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد:25)ولا يقوم الدين إلا بهذين الركنين العظيمين فلا يعطل أو يهمش أحدهما على حساب الآخر، بل يسيران متوازيين،قال تعالى:(وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) (الفرقان: من الآية31)، (حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال: من الآية39)، وللتمكين لأمة الإسلام العظيمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.ويجب أن يكون السيف تابعا للكتاب،قال شيخ الإسلام:فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر،(وكفى بربك هاديا ونصيرا)، ودين الإسلام أن يكون السيف تابعا للكتاب، فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة، وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما.أهـ إن لدى أمتنا زخماً شرعياً ومعرفياً ودفعاً حضارياً هائلاً، وتجارب ثرية واقعية مليئة بالدروس والعبر، لو أنتدب لها أهل العلم والبصيرة والغيرة، لاستخلصوا برامج ومشاريع تحيي الأمة وتشحذ همتها، لتقوم بواجبها الشرعي ودورها الريادي المكلفة به،وهذا من فروض الكفاية،حيث يجب على طائفة من المسلمين أن تتصدى لهذا الأمر، لتكون ركيزة صلبة وقدوة صالحة، تتمحض فيهم صفات ومؤهلات أهل الاستخلاف الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54)، ثم يجتمع الناس من حولهم، ويأتمون بهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خص رجالا من أصحابه كأبي بكر وعمر وبقية العشرة المبشرين بالجنة وأمثالهم من صفوة الصحابة رضوان الله عليهم، وكان يوليهم عناية خاصة لما وجد فيهم من مؤهلات لقيادة الأمة من بعده. واليوم فإن المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا أمام اختبار عسير، ليثبتوا للناس مرة أخرى أهليتهم للريادة والقيادة، وفق المنهج الرباني الذي يجب أن يقيموه على أنفسهم قبل أن يقيموه على غيرهم.وقد قام طائفة من العلماء وطلبة العلم بجهود مباركة مشكورة في المضمار،ولا تزال الحاجة ملحة لإتمام الخير ومواصلة المسير، وأردنا أن نضرب لنا بسهم نرجوا ثوابه عند ربنا الكريم المنان، فكان هذا المختصر العلمي لأهم المواضيع والمسائل التي تمس الحاجة إليها، نضعه بين يدي المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا، قصدنا فيه الاختصار، وذكر الراجح من الأقوال في المسائل المختلف فيها، والتركيز على المسائل التي تعنينا من دون تشعب وتوسع، ليكون لبنة في بناء مشروع الأمة الحضاري، وجعلناه على ستة أبواب هي:الباب الأول: الجهاد والمجاهد.الباب الثاني: المنهج والعقيدة. الباب الثالث: مسائل فقهية.الباب الرابع: السياسة.الباب الخامس: الاقتصاد.الباب السادس:الرقائق. وفي كل ذلك فإننا لم نبتدئ من الصفر بل من حيث انتهى إليه العقلاء من قبلنا،ولم نأل جهدا في تصحيحة وتهذيبه بحسب ما تيسر من وقت،فما كان فيه من حق فمن الله تعالى وله الحمد والمنة وما كان فيه من خطأ فمنا ومن الشيطان ونسأل الله المغفرة والعفو والعافية، ونذكر المسلمين عامة والعلماء خاصة بواجب نصحنا وتصويب خطئنا سائلين الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ويوفقنا وكافة المسلمين لما يحب ويرضى.الباب الأول : الجهاد والمجاهد.الفصل الأول: الجهاد فضائله ومراحل تشريعه وأنواعه.المبحث الأول :من فضائل الجهاد: الجهاد من أفضل الأعمال، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111)، وفي الصحيحين عن عَبْدِ اللَّهِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قَالَ:سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَىُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ:[الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا]، قُلْتُ ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ:[ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ]، قُلْتُ ثُمَّ أَىٌّ؟ قَالَ:[ ثُمَّ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ]، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. وفيهما عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ:[إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ]،قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:[الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ]، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:[حَجٌّ مَبْرُورٌ]، وفي البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ]،وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ:[لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ]،قَالَ:فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا،كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ:[لاَ تَسْتَطِيعُونَهُ]،وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ:[مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلاَ صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى].قال الإمام أحمد (المغنى 13/10): لا أعلم شيئا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد.أهـوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (28/353): الجهاد أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة.أهـالمبحث الثاني : مراحل تشريع الجهاد في القرآن الكريم:شرع الجهاد في القرآن الكريم على ثلاث مراحل:الأولى: إباحة القتال في سبيل الله دون أن يفرض، كما في قوله تعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39)، في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي، قال ابن عباس:هي أول آية نزلت في القتال. قال الألباني في(صحيح النسائي/ 3085): صحيح الإسناد. الثانية: الأمر بقتال من قاتل المسلمين من الكفار، والكف عمن كف عن قتالهم، ويمكن أن تسمى "مرحلة الدفاع" ،قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)، قال الإمام الطبري في تفسيره (2/195): فهذا أمر من الله سبحانه وتعالى بقتال من قاتلهم من الكفار والكف عمن كف عنهم، وقال تعالى:(فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً)(النساء: من الآية90)، قال الطبري في تفسيره (4/201): فإن اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم وألقوا إليكم قيادهم، واستسلموا لكم، صلحا منهم لكم وسلما،(فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً): أي فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقا إلى قتل أو سباء أو غنيمة,فلا تعرضوا لهم في ذلك.أهـ باختصارولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لم يبدأ بقتال، وإنما كان يوادع الناس حتى اليهود، ولم يُعهد أنه قاتل عدوا وهو لم يقاتله، قال ابن القيم في زاد المعاد (3/65): وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بالمدينة من اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا. أهـ وقد أورد ابن هشام في السيرة النبوية (3/34) نص هذا الكتاب وفيه: [أنه من تبعنا من اليهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم .....وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم]. الثالثة: الأمر بقتال جميع الكفار وابتداؤهم بالقتال أينما كانوا، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويخضعوا لحكم الإسلام ويدخلوا في حماية المسلمين، قال تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(التوبة:5) ، وقال عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، وقال تعالى:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193)أي:فإن انتهوا عن الشرك والكفر إما بالإسلام أو إعطاء الجزية فكفوا عنهم، كما جاء في تفسير الطبري (2/200) وتفسير القرطبي (2 /351) ببعض تصرف؛ وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ] وقد اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على مشروعية ابتداء الكفار بالقتال وان لم يبدؤونا، وعلى قتالهم حتى يسلموا. تنبيه:ذهب بعض العلماء إلى أن المرحلة الثالثة ناسخة لما قبلها وهذا خطأ؛ والصحيح أن المرحلة الثالثة هي مرحلة القوة والتمكين، والمرحلة الثانية هي مرحلة الاستضعاف،وكل واحدة يعمل بها في الظروف المناسبة لها، قال شيخ الإسلام(الصارم المسلول/244): من كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.أهـ وقال الشيخ ابن باز (فضل الجهاد والمجاهدين 26): فإذا قوي المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك، عملا بآية التوبة وما جاء في معناها، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم عملاً بآية النساء وما ورد في معناها وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ، ا.هـ.المبحث الثالث: أنواع الجهاد وحكمهالجهاد نوعان :الأول: جهاد الطلب؛ وهو طلب العدو في أماكنهم لنشر الإسلام، وهذا النوع ليس له مثال في زمننا هذا، وله شروط لابد من توفرها، واستكمال الإعداد قبل البدء به مع أخذ المشورة والنصيحة من العلماء العاملين وأهل التجربة من المجاهدين والمتخصصين.الثاني: جهاد الدفع؛ وهو رد العدو الصائل عن بلاد المسلمين، وهو الموجود في كثير من بلاد المسلمين اليوم. ولا يشترط له الشروط الواجبة لجهاد الطلب بل يجب دفع الصائل بحسب الإمكان.وهو فرض عين على أهل البلد ثم الذين يلونهم حتى يكون على جميع المسلمين بما يندفع به شر العدو، بحيث ينفر من يكف العدوان، وعلى هذا إجماع الأمة، قال الجصاص في أحكام القرآن (3/164): ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم، أن الفرض على كافة الأمة، ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلاف فيه بين الأمة،أهـ.وقال القرطبي في تفسيره (8/138): إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار.. وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليها خفافا وثقالا شبابا وشيوخا،كل على قدر طاقته. فان عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم انه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يد واحدة على من سواهم.أهـالمبحث الرابع:التمكين وأنواعه وشروطه وأسبابه ومراحله:إن إحياء وتجديد فريضة الجهاد في الأمة، وإيقاظ الهمة، والنكاية في العدو واستنزافه، وكشف عملائه من حكام ومحكومين، هي بعض ثمرات الجهاد المرحلية ومكتسباته الظرفية.وإن الواجب على كافة المسلمين المضي قدما، والمحافظة على كل المكتسبات إلى أن نصل إلى مرحلة التمكين التي وعدنا الله سبحانه كما في آية التمكين في سورة (النور:55) وغيرها، وفي المسند عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ]، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِراً الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ.وهذا هو الحديث الثالث في السلسلة الصحيحة (1/32)، وفي صحيح مسلم عن ثوبان رضي الله عنه، قال:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا].والتمكين أنواع ومنها: أولا: تبليغ الرسالة وأداء الأمانة قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (التغابن:12) وحديث الغلام وأصحاب الأخدود في صحيح مسلم حيث انتشر التوحيد والحق والعدل وزهق الباطل بتضحية الغلام بنفسه فإن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة، وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان ولا يسخطون منهم إلا العقيدة قال تعالى:(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8 ) لقد خطط الغلام البطل واختار أسلم الطرق وأقصرها لإخراج الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان متخطيا جميع العقبات، متحديا الجبت والطاغوت، متجاوزا كل وسائل الإرهاب والتخويف، مستعليا على كل الشهوات وحظوظ النفس ومتاع الدنيا فبلغ رسالته وأدى أمانته فانتصر الحق وزهق الباطل. نعم .. لقد وفق الله تعالى الغلام العبقري إلى دقة التخطيط وسلامة التقدير وبراعة التنفيذ فكان النجاح الباهر والفوز الظاهر والنصر المبين، وإن الإيمان إذا لامس الروح ووقر في القلب فعل العجائب وبدد الظلمات وأثمر أفضل الأعمال وأحسن القربات. ثانيا: هلاك الكافرين ونجاة المؤمنين ونصرهم في المعارك، قال تعالى :(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِر ٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:10-15)، وقال سبحانه :(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5-6) وقال :(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران:123) ثالثا: في تحصيل ما أمكن من حقوق المؤمنين ورد ما أمكن من عدوان الكافرين وظلم الظالمين، قال تبارك وتعالى :(وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56) رابعا: إقامة الدولة: قال تعالى:(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ:26) وللتمكين شروط وأسباب ومراحل لابد من اعتبارها والأخذ بها، فأما شروطه: فالإيمان والعمل الصالح وتحقيق العبادة وتقوى الله ومحاربة الشرك والكفر وقد بين ربنا سبحانه شروط التمكين ولوازم استمراره بقوله :(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:55-56) وأما أسبابه: فهي معنوية ومادية ،والمعنوية تشمل :إعداد الأفراد الربانيين،وإعداد القيادات الربانية،والأخذ بكل أسباب الوحدة والاجتماع، ونبذ التفرق ومحاربة التنازع،وأما المادية فتشمل :التخطيط والإدارة، والإعداد على كل المحاور السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية ،والإعلامية، والاجتماعية، مع اعتبار التخصص والتفرغ لهذه الأعمال. فينزل كل واحد منزلته، ويعطى كل شيء نصابه، بسياسة شرعية وتدبير حكيم قال تعالى :(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (الأنفال:60)، قال القرطبي :أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. وكلما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك.أهـوأما مراحل التمكين: فهي:مرحلة الدعوة،ومرحلة اختيار العناصر وتأهيلها،ومرحلة المغالبة،ومرحلة القيادة والريادة ، وإقامة حكم الله ونشر الإسلام وإشاعة الحق والعدل والمحافظة على كل المكاسب الشرعية، قال تعالى: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، فلا يحصل التمكين دفعة واحدة بل وفق هذه المراحل وهي مترابطة يسلم بعضها لبعض وقد تتداخل. وعلى هذا فلابد لجميع فصائل العمل الإسلامي من برامج وخطط عمل مدروسة، كيلا تضيع ثمرة جهادهم وعملهم، فإن إسقاط طاغوت ليخلفه شر منه، وإخراج معتد محتل ليخلفه علماني مرتد وإن كان من أهل البلد لكنه بديل عن المحتل، أمرٌ لا يستحق منا هذا العناء وتلكم التضحيات، بل نعد هذا تضييعا للأمانة وهدرا لطاقة الأمة دون طائل. الفصل الثاني:المجاهدالمبحث الأول: تعريفه ، وشروطه، وأسماؤه، المجاهد: هو من اجتمعت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فاستفرغ وسعه في قتال أعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى،في الصحيحين عن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِي رضي الله عنه،قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم ،فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ].ومن شروطه:1. النية الخالصة : وسيأتي تفصيلها في المبحث الثاني .2. استفراغ الوسع: قال الطبري في جامع البيان (4/229) المجاهدون هم: المستفرغون طاقاتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينه.3. إنتفاء الموانع: عَنْ أَبِى قَتَادَةَ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ:[أَنَّ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ]، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ]، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [كَيْفَ قُلْتَ]، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّى خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلاَّ الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ لي ذَلِكَ]رواه مسلم.أسماؤه:1. المجاهد:وهو أكثرها استعمالا.2. الغازي: قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) (آل عمران:156)، قال القرطبي (4/239 ):أو كانوا غزى: يعني غزاة وواحدهم غازٍ، وفي الصحيحين عن زَيْد بْن خَالِدٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:[مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا].أهـ - ويخطئ بعض الناس فيسمي الكافر المحتل المعتدي غازياً أو يسمي المحتلين بالغزاة،وهو يقصد ذمهم.3. الجندي: وهو العون والنصير، ويجمع على جنود وجند، والجند العسكر، ويجمع على أجناد. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً) (الأحزاب:9) 4. المقاتل:وهو الذي يلي القتال، قال تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:74) - وكل هذه الأسماء لابد أن ترتبط بلفظ في سبيل الله لتدخل النية،- ولا يسمى المجاهد محارباً، لأن المحارب في الشرع مذموم وهو الذي يحارب من أجل أغراض أو مصالح شخصية أو عداوات قبلية أو طبقية، وهناك من أطلق على المجاهد لفظ " المحارب بحق" كما في كتاب (المبدع والمستوعب 1/220-221) المبحث الثاني: النية. النية: رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي يبنى عليه، وهي روح العمل وقائده وسائقه، يصح بصحتها إن وافق الشريعة، ويبطل بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، قال تعالى:(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) (الاسراء18-19)، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، في الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ].وإن النجاة العظمى وإحراز الربح الأسمى ومجاورة الرب الكريم في دار السرور والنعيم،لا يحصل إلا بالإخلاص في العبادة وإرادةِ وجهِ الله فيما شرعه لعباده، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف:110) - ويتأكد الإخلاص في ساحات الوغى لأنها مظنة القتل وذهاب النفس، فإن الإعمال كلها وان تنوعت واختلفت أسبابها، إذا صدر منها شيء مشوباً بالرياء والنفاق، أمكن أن يصدر منها في وقت آخر على وجه الإخلاص والوفاق، وأمكن أن يأتي العامل بما يكفر تلك الزلة، أو يتوب الله عليه مادام في الأجل مهلة، بخلاف من ذهبت نفسه في القتال، إذ ليس له إلا رضا الله ذي العزة والجلال، أو العذاب الشديد والنكال؛ فمن خسر نفسه لم يبق له نفس أخرى يربحها، ومن أفسد خاتمته فليس له خاتمة أخرى يصلحها. (مشارع الاشواق2/612، إعلام الموقعين 4/199)- ومن الإخلاص إرادة ما عند الله وعدم الالتفات لشيء من حظوظ الدنيا، فإنَّ مَن أراد بجهاده عرَضاً من الدنيا لا يكون مجاهداً، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ،أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15-16) ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله غنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ]. قال شيخ الإسلام (17/492): بل من قاتـل فيها (أي المعركة) لأجل المال لم يكن مجاهداً في سبيل الله .أهـ الباب الثاني : المنهج والعقيدة إن المنهج والعقيدة هما الركنان العظيمان لقيام الجماعة المسلمة، وأساس التقاء أفرادها، والضمان الوحيد لبناء صرحها وثباتها وضبط سيرها والمحافظة على ديمومتها، وبهما تتحقق العلاقة الناضجة والربط المتلاحم بين القيادة وقواعدها فهما نقطة الاتفاق الأقوى بينهما.وبدون المنهج السديد والعقيدة الصحيحة يصبح التجمع خليطا لا يكتب له القبول والديمومة، فالاجتماع على المحنة أو المصلحة مثلا لا يلبث أن ينقطع بذهاب المحنة أو انتفاء المصلحة.الفصل الأول: المنهجمنهجنا مبني على الأسس العلمية المنضبطة بالكتاب والسنة الصحيحة على طريقة فهم سلف الأمة الذي يجمع بين الأصالة والتجديد، في النظر والاستدلال، وفي القول والعمل والظاهر والباطن.ومن أهم ملامحه وسماته:· لزوم العدل ووسطية الحق بين الغلو والجفاء فلا إفراط ولا تفريط في كل قول وعمل ،قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(البقرة:143) · والعدل والوسطية: معناهما الالتزام بالإسلام كله قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة:208) فلا نعني بهما التمييع والتفريط، قال تعالى: (وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (المائدة: من الآية13)، كما لا نعني بهما الغلو والجفاء المخالف لمنهج النبوة، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77) فقد حذر ربنا تعالى من المسلكين في هذه الآية الكريمة. والعدل والوسطية في المعتقد والإتباع والسلوك والجهاد ، وفي الحكم على الناس سواء كانوا أفرادا أو طوائف أو جماعات، وفي كل نواحي الدين والدنيا، فهذه الأمة وسط بين الأمم وأهلها هم الخيار والعدول بين الناس.· ومن استبانت له سنة رسول الله فلا يحل له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، فديننا دين إتباع لا ابتداع، وكل شخص يؤخذ من قوله ويرد حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم .· التفريق بين الشرائعِ الكليةِ التي لا تتغيرُ بتغيرِ الأزمنةِ والأمكنة، وبين السياساتِ الجزئيةِ التابعةِ للمصالح التي تتقيدُ بها زماناً ومكاناً، وإن الاستفادة من أخبار السلف يجب أن يراعى فيه الأحوال والعوائد التي كانت في زمنهم، قال ابن القيم في إعلام الموقعين (4/205): فإنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله أهـ.· حفظ حق العلماء والدعاة (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) (الأحزاب:39) · الرجوع لأهل العلم والحكمة والخبرة والسابقة، المشهود لهم بالصدق والاستقامة والثبات والتاريخ الناصع.والإكثار من مشاورة أهل الحل والعقد أولي الأحلام والنهى من أهل العلم في كافة الاختصاصات .· الاستفادة من الجماعات الجهادية التي سبقتنا بأخذ إيجابياتها وطرح سلبياتها واستكمال نقاط القوة فيها.· تلازم الدعوة والجهاد فلا يقصر بأحد الأمرين على حساب الأخر .· التجمع على أساس المنهج والشرع، لا حول الأشخاص والأسماء المجردة.· المسلمون كلهم أمة واحدة، والنصح واجب علينا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، في إحقاق الحق وإظهاره وإبطال الباطل وإزهاقه.· نوالي آحاد المسلمين على قدر ما عندهم من طاعة وموالاة لله ورسوله وإن لم يكونوا معنا ، ونبغض ما عندهم من معصية وننكرها عليهم وإن كانوا معنا .· لا نميز أنفسنا عن باقي المسلمين بأمر أو خصوصية بل التفاضل بالتقوى والعمل الصالح وإخلاص النية وتجريدها لله،قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: من الآية13).· تغليب صفة الرحمة على الغلظة بالمسلمين كافة، طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: من الآية54).· حرمة دماء المسلمين والتحرز والتورع الشديد بشأن إراقتها إلا بحق واضح بين تبرأ به الذمة ، في الترمذي والنسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ]وهو في صحيح الجامع(5077). وفي البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِى فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا]، · حرمة أموال المسلمين وأعراضهم وعدم التعرض لها،في الصحيحين عَنْ أَبِى بَكْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا].· عدم استهداف الكفار غير المحاربين وعدم التعرض لأموالهم. · حفظ أمن الناس من أولوياتِنا، وحفظ بيضة المسلمين من واجباتنا.· الابتعاد عن التهور وزج المجاهدين في مهلكة تستأصل شأفتهم.· عدم الانشغالِ بمعاركَ جانبيةٍ على حسابِ المعركةِ الرئيسة، وتضييق دائرةِ الصراع مع الأعداءِ وتحييد من يمكن تحييدُه منهم.· إقالة عثَراتِ ذوي الهيئاتِ، والسعيُ لكسبِ ثقةِ المسلمينَ عامة وأهل البلد خاصة، والابتعادُ عن كلِ ما يسيءُ إلى الجهادِ والمجاهدين وإن كان مشروعا، مراعاةً لمداركِ الناس. · اعتماد الواقعيةِ والتدرجِ في الأداءِ والتقييمِ والمعالجةِ مع الطموحِ المتزايدِ لبلوغِ كافةِ الأهدافِ، وفي هذا، يجب التفريقُ بين مبدأِ التدرجِ في تشريع الأحكام وصولاً إلى حالةِ الاستقرارِ وكمالِ الدينِ وبين مبدأ التدرجِ الواقعيِّ في استكمالِ القدرة والإعداد.· أحكام الدنيا في التكفير مبنية على الظاهر والله يتولى السرائر.· النأي بأنفسنا عن منهج التعجل بالتكفير دون تثبت أو بينة.· وليس كل من أتى بمكفر يكفر بعينه حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع ، ولا نكفر بالمآل أو بلازم القول.· ولا نلزم غيرنا بتكفير أحد إلا من أجمع علماء الأمة على تكفيره، وإن كنا نعتقد كفر من تلبس بمسائل معينة قال جماهير السلف بكفره، سعياً منا لتضييق دائرة الخلاف.· التمييز بين من يتولى العدو (الكافر) وبين من يواليه موالاة غير مكفرة.· وليس كل كافر يجب قتله ،وقد يقتل من ليس بكافر كما هو مفصل في كتب أهل العلم؛ ولا نحكم بالقتل على أحد من أهل القبلة إلا إذا وجب في حقه بدليل قطعي تبرأ به الذمة.· الاجتهاد في إسقاط الأدلة وكلام العلماء على الواقع المناسب لها ،وأي مسألة يرد فيها أكثر من قول معتبر لأهل العلم فإن الجماعة تتبنى ما ترجح عندها ، ويصبح هذا القول ملزماً لجميع أفراد الجماعة، وتعذر من خالفها خلافا سائغا،قال شيخ الإسلام ابن تيمية (20/207): مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر ومن عمل بأحد القولين لم ينكر عليه وإذا كان في المسألة قولان فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به وإلا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين.أهـ.· عند تزاحم الأحكام الشرعية فالأمر إلى أمير الجماعة بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد ومشاورة أهل الرأي، قال العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (424): وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية.· ومن سمات منهجنا أنه حركة واقعية ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها، وإن بعض الذين يسوقون النصوص القرآنية للاستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد، لا يراعون هذه السمة فيه ولا يدركون طبيعة المراحل التي مر بها هذا المنهج وعلاقة النصوص المختلفة بكل مرحلة منها. الفصل الثاني: العقيدة· نؤمن بالله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ؛ فهو الخالق وحده،لا ربَّ سواه،ولا رازق ولا مالك ولا مدبر لهذا الوجود إلا هو،ونوحد الله سبحانه في أفعاله كما نوحده بأفعالنا .· ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فلا معبود بحق سواه، مثبتين ما تثبته هذه الكلمة العظيمة من تجريد العبادة له وحده بشروطها وواجباتها وحقوقها، نافين ما تنفيه من أنواع الشرك والتنديد، وهذه هي الغاية التي خلق الله الخلق لها، كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) .· وأنه لا مشرع بحق إلا الله تعالى، وأن التحاكم عبادة لا تصرف إلا لله تعالى كما قال سبحانه: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:40) وأن شرع الله تعالى صالح لكل زمان وفي أي مكان؛ ونتبرأ ونكفر بكل مشرع سواه ، فإن من اتخذ مشرعا غير الله تعالى فقد اتخذ غير الله إلها ، وابتغى غير الإسلام ديناً.· ونوحده سبحانه في أسمائه وصفاته، فلا سمي له، ولا مثيل له، ولا ندّ له، ولا كفو له،كما قال تعالى:(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (الإخلاص:1-4).· ونصفه سبحانه بما وصف به نفسه في كتابه، وبما ورد في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا نضرب له سبحانه الأمثال، أو نشبهه بأحد من خلقه، ولا نلحد في أسمائه وصفاته، ونؤمن بها على وجه الحقيقة لا المجاز، من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تعطيل، قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية11) ، على ما هو مفصل في كتب السلف الصالح رضي الله عنهم.· ونؤمن بملائكة الله ، وأنهم عباد الله المكرمون ، فنتولاهم ونحبهم ، ونبغض من يبغضهم ، وأوصافهم ثابتة في الكتاب والسنة.· ونؤمن بكتب الله تعالى المنزلة على رسله عليهم الصلاة والسلام بالجملة وأن خاتمها هو القرآن العظيم.· ونؤمن أن القرآن كلام رب العالمين حقيقة بحروفه ومعانيه، نزل به الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المرسلين، ومن قال:(إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (المدثر:25) فقد كفر، وحقَّ عليه -إن لم يرجع عن ذلك ويتب- قوله تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) (المدثر:26).· ونؤمن بأنبياء الله ورسله أجمعين الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابه أو أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم في سنته ، من قص الله علينا خبرهم ومن لم يقصص، لا نفرق بين أحد منهم ، وأنهم قد بعثوا جميعاً بأصل واحد ألا وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة والنهي عن الشرك وعبادة الطاغوت، كما قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (النحل:36) .· ونؤمن بمعجزات الأنبياء ونحفظ لهم حقهم، وهم أفضل البشر على الإطلاق، وأن خاتمهم وأفضلهم نبينا صلى الله عليه وسلم الذي بعث بالشريعة المهيمنة على سائر الشرائع، فلا يقبل الله سبحانه وتعالى بعد بعثته ديناً إلا دين الإسلام ،قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).· ونحب نبينا صلى الله عليه وسلم ونحب صحابته الأبرار وأهل بيته الأخيار ومن تبعهم بإحسان رضوان الله عليهم أجمعين، ونتولاهم جميعاً، ونبغض من يبغضهم، وحبهم عندنا دين وإيمان، وبغضهم نفاق وكفران، ونبرأ إلى الله من طريقة الروافض فيهم، ونكف عما شجر بينهم ولا نذكرهم إلا بخير، وهم في ذلك بين الأجر والأجرين وهم خير الناس بعد النبيين، وهم خير القرون.· ونؤمن بأن الموت حق ، وبعذاب القبر ونعيمه، فما من أحد إلا سيسأل بعد موته عن ربه وعن دينه وعن نبيه.· ونؤمن باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والعرض والحساب والحوض والميزان والصراط والجنة والنار،والشفاعة ، وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم على التفصيل الثابت في الكتاب والسنة الصحيحة.· ونؤمن برؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما قال تعالى: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23).· ونؤمن بالقدر خيره وشره وأنه من الله سبحانه وتعالى، وأن مشيئته سبحانه نافذة وفوق كل مشيئة، وأن العباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، ولا نجعل قدر الله حجة لنا في ترك أوامره وفعل نواهيه، فإنه لم يجبر أحدا على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة، فنحن في القدر وسط بين القدرية والجبرية .· وأن الإيمان قول وعمل، ونية وسنة، والقول: قول القلب واللسان ، والعمل: عمل القلب واللسان والجوارح، وأن العمل ركن في الإيمان، وكل ذلك ثابت في الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) (الإسراء:19)، وقوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(التغابن: من الآية9)، قال الإمام الآجري في كتاب الشريعة (2/614): فالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان،فمن لم يصدق الإيمان بعمله بجوارحه مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج ، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول، لم يكن مؤمناً ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبا لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقا منه لإيمانه.أهـ.· وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،وأهله فيه متفاوتون، وأن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الترك أو الاعتقاد أو الشك، وأن الكفر لا يحصر بالقلب فقط، وأما الاستحلال فإنه يشترط في التكفير بالذنوب التي هي دون الكفر. ولا نقول بقول الخوارج الذين يكفرون بالكبائر، ولا بقول المرجئة الذين يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب أو أن الإيمان يكفي فيه القول أو الاعتقاد وأن العمل كمال فيه.· وأن كل من دان بغير دين الإسلام فهو كافر في أحكام الدنيا، سواء بلغته الرسالة أو لم تبلغه، وأن الله تعالى لا يعذب أحداً يوم القيامة إلا بعد بلوغه الحجة الرسالية، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(الإسراء: من الآية15) .· وأن الأصل في مجتمعاتنا أنها مجتمعات إسلامية، وإن تفشت فيها الجاهلية والمعاصي والآثام وحكمتها أنظمة كفرية.· ونرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجرٍ من أهل القبلة، وعلى من مات منهم ما لم يتلبس بناقض للإسلام .· والجهاد ماض مع الأمير براًَ كان أو فاجراً إلى يوم القيامة، لا يمنعه جور جائر ولا عدل عادل، ما لم يكن كافراً ، ولكن الجهاد تحت الراية السنية أولى وأوجب. جاء في حاشية الروض المربع (4/258) :يجب النفير مع كل أمير برا كان أو فاجرا بلا نزاع بشرط أن يحفظ المسلمين.أهـ، وفي البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ]، فالخروج مع القائد الفاجر ارتكاب لأخف الضررين فان عدم الخروج معه يؤدي إلى ترك الجهاد فيظهر الكفار على المسلمين. (المدونة 2/5 ،المغني 13/14)، والفاجر: هو المنبعث في المعاصي والمحارم، كما في النهاية في غريب الحديث (3/371).· ونؤمن بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن الطائفة المنصورة بقوله: [لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ،قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لاَ، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ]. رواه مسلم عن جابر بن عبدالله . الفصل الثالث: الديمقراطية إن حقيقة الديمقراطية مبنية على مفهوم كفري يعمل على تأليه المخلوق والقانون البشري، وعلى هذا فلا نقول بقول من يحسنها في نظر المسلمين بالتأويلات الفاسدة، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى:21) فقد أخبر سبحانه أن كل تشريع لم يأذن به الله هو شرك بألوهيته،كما أنه شرك بربوبيته، كما قال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)،في الترمذي والبيهقي واللفظ له،عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ. قَالَ: [أَجَلْ وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ]. جوده شيخ الإسلام وحسنه الألباني في غاية المرام ، رقم الحديث (6).وأما اختيار المسلمين من يمثلهم في المناصب الإدارية والخدمية المجردة، التي ليس فيها تشريع مخالف لشرع الله فلا يدخل في المفهوم الكفري المذكور، وكذلك اختيار أهل الحل والعقد من جماعة المسلمين من يرأسهم أمر مشروع قال تعالى :(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: من الآية38). الفصل الرابع: التولي والموالاةالتولي: هو اتخاذ الكفار أولياء ، بنصرتهم ومظاهرتهم على المسلمين ومحبتهم لكفرهم وما أشبه ذلك وهذا كفر لا شك فيه.قال الإمام ابن حزم في المحلى(18/138): صح أن قوله تعالى:(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أنه على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين.أهـ وقال الشيخ حمد بن عتيق النجدي في الدفاع عن أهل السنة والإتباع (ص31-32): فقد تقدم أن مظاهرة المشركين ودلالتهم على عورات المسلمين، أو الذب عنهم باللسان، أو الرضى بما هم عليه، كل هذه مكفرات ممن صدرت منه من غير الإكراه، وهو مرتد وإن كان مع ذلك يبغض الكفار ويحب المسلمين.وأما الموالاة: فهي القرب من الكفار والدنو منهم .وهي أقسام: منها ما يلتحق بالتولي فيكون كفرا ،ومنها ما يلتحق بالكبائر كالتشبه غير المطلق بالكفار، ومخالطتهم من غير مصلحة شرعية دون مظاهرة لهم على المسلمين، وتولي مناصب لديهم فيها مكسب شخصي لا يعود بالنفع على المسلمين ولا يتضمن مظاهرة للمشركين عليهم .- وهناك أمور ليست من الموالاة، مثل برِّ المسلم لقريبه من المشركين والإحسان إليه إن كان غير محارب، وكذا المودة والرحمة الطبيعية للزوجة الكتابية، وكذا مدح الكفار لمحاسن أخلاقهم، أو مدح بعض تجمعاتهم التي تقوم بنصرة المظلوم، أو غير ذلك من أعمال البر ومحاسن الأخلاق ، فيمتدحون على مثل هذه الأمور لا على كفرهم كما في حلف الفضول، قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) .قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (163): وكان صلى الله عليه وسلم يكافئ المحسن إليه لإحسانه وإن كان كافراً، وقال في الاقتضاء (237): وهذا الحديث: [مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ]- رواه أبو داود-، أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)، ونظيره ما سنذكره عن عبد الله بن عمر أنه قال: من يعش بأرض المشركين ويصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة ، أخرجه البيهقي في سننه، فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك ، وقد يحمل على أنه منهم في القدر الذي شابههم فيه ، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها كان حكمه كذلك. أهـوقال ابن القيم في المدارج (1/281): أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين .أهـ الباب الثالث: من فقه الجهاد الفصل الأول : الكفار الأصليون ينقسم الكفار في الشريعة إلى أربعة أقسام:1- الذميون: وهم الكفار الذين يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون مقابل الكف عنهم وحمايتهم وهؤلاء لا يجوز التعرض لهم.2- المعاهدون: وهم من كان بينهم وبين المسلمين عهد فلا يجوز التعرض لهم إلا إذا غدروا ونقضوا العهد وإذا أراد المسلمون بدأهم بالقتال، فيجب أن ينبذوا إليهم عهدهم قبل ذلك وأن يوجد المبرر لنبذ العهد.3- المستأمنون: وهم أقوام من الكفار أعطاهم المسلمون (فرداً أو جماعة) أماناً لوقت معين وغرض معين فلا يجوز التعرض لهم حتى ينقضي الوقت والغرض.4- المحاربون: وهم عدا الأصناف الثلاثة ولا يشترط في المحارب أن يشهر سلاحاً.فالأقسام الثلاثة الأولى هم المسالمون والرابع هو الحربي، قال تعالى:(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:5) وقال: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ،أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (التوبة:12-13)، وقال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29) وقال عز وجل:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:39) وواضح من هذه الآيات المحكمات أن الله يريد أن يكون عباده في الدنيا وخاصةً بعد نزول سورة التوبة إما مسلما أو مسالما لا غير ويكون الدين كله لله فأحكامه يجب أن تكون هي النافذة في المسلم والمسالم. قال ابن القيم في زاد المعاد (3/126):لما نزلت سورة براءة في السنة الثامنة للهجرة وشرعت الجزية وأُعطيت مدة الأشهر الحرم للمشركين حصل أن يكون الكفار بعدها إما محارب وإما معاهد وإما ذمي.أهـ قال الماوردي في الحاوي الكبير (14/296):إعلم أن ما تحقن به دماء المشركين ينقسم أربعة أقسام: هدنة وعهد وأمان وذمة.أهـ تنبيهان: 1- يجب عدم استهداف التجار والصحفيين وبعثات الإغاثة إلا إذا ثبت تعاونهم مع العدو أو مارسوا أعمالا عدائية أو تحريضية أو تبشيرية تخرجهم عن عملهم المهني فمن فعل ذلك فهو هدف شرعي. 2- لا يجوز التعرض لأهل الكتاب الذين يعيشون بين ظهرانينا اليوم إلا لمن ثبتت إدانته بعمل عدائي. الفصل الثاني : المرتدونالمرتد : هو المسلم الذي فارق دينه بقول أو اعتقاد أو فعل أو ترك أو شكوالردة نوعان : 1- ردة مجردة : وهو من كفر بعد إسلامه كفراً لا يصاحبه وصف زائد كالطعن في الدين أو الحرب على الإسلام والمسلمين وحكمها ان يستتاب صاحبها فان تاب وإلا قتل . 2- ردة مغلظة: وهي اقتران الردة الأصلية بوصف زائد كالطعن في الدين أو الحرب على الإسلام والمسلمين أو تكررت ردته وحكم صاحبها أن يقتل من غير استتابة . تنبيهات هامة : 1- استتابة المرتد وإقامة الحد عليه يكون في حال قوة المسلمين وسلطانهم ، أما الجماعات الجهادية فلا يشرع لهم إقامة هذا كسائر الحدود التي لا تقام إلا بوجود القوة والسلطان إلا فيما يتعلق بجهادهم. (فمثلا: حكم تارك الصلاة أنه مرتد على الراجح من أقوال العلماء لكن لا يشرع للجماعات الجهادية إقامة الحد عليه، وأما الجاسوس فانه يقام عليه الحد لعلاقة عمله بعمل المجاهدين). 2- يفرق بين المرتد الذي ينتمي إلى طائفة ممتنعة فهذا يسري الحكم عليه وعلى ذريته كحكم الطائفة وأما الفرد الذي لا ينتمي إلى طائفة ممتنعة فلا يسري الحكم على ذريته. قال ابن القيم في الزاد (3 / 349): واستباح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي نسائهم و ذراريهم ( يعني:بني قريظة وبني النضير) وجعل نقض العهد ساريا في حق النساء والذرية وجعل حكم الساكت والمقر حكم الناقض والمحارب وهذا موجب هديه في أهل الذمة بعد الجزية أيضا أن يسرى نقض العهد في ذريتهم ونساءهم ولكن هذا إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة ومنعة،أما إذا كان الناقض واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لا يسري الناقض إلى زوجته وأولاده، كما أن من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم ممن كان يسبّه لم يسبِ نساءهم وذريتهم فهذا هديه في هذا ، وهذا الذي لا محيد عنه . أهـ3- ويمنع اليوم سبي نساء المرتدين الممتنعين درءا للمفسدة الظاهرة الراجحة ،كما فعل عمر رضي الله عنه في أهل الردة.الفصل الثالث: الجواسيسالتجسس : التفتيش عن بواطن الأمور والبحث عن العورات؛ والجاسوس الذي يتجسس الأخبار وهو الذي يرسله الكفار سراً يتجسس على المسلمين ويعرف أمورهم ويبلغها الكفار. وهذا قد اختلف العلماء في حكمه وعقوبته على أقوال:الأول: التعزير وهو قول جمهور العلماء .(الخراج لأبي يوسف190، الذخيرة 3/400، كشاف القناع 2/380، الأم 4/249، الجامع لأحكام القرآن 18/49 ) الثاني: القتل دفعاً لشره وردعاً لأمثاله لحديث حاطب بن أبي بلتعة، وفي صحيح البخاري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ]، قال ابن القيم في الطرق الحكمية (95): وهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل ؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله ، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد واختاره ابن عقيل.أهـ (وانظر الذخيرة 3/400 ، والشرح الممتع 8/ 98) وفيه رجح الشيخ العثيمين قتل الجاسوس وإن تاب حدا لا ردة. قال الذهبي في كتاب الكبائر: فإن ترتب على جسّه وهن على الإسلام وأهله,وقتل مسلمين،وسبي وأسر ونهب أو شيء من ذلك فهذا ممن يسعى في الأرض فساداً،وأهلك الحرث والنسل, وتعين قتله.أهـالثالث: إن عقوبة الجاسوس راجعة إلى اجتهاد الإمام ،لأن أمور تدبير الحرب وتقدير المصالح والمفاسد تابعة إليه ،وهو القول الآخر للإمام مالك (الذخيرة 3/400، الجامع 18/49، التاج والإكليل 4/552) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو الراجح. قال ابن القيم في زاد المعاد (3/423): فصل وفيها ( أي قصة حاطب ) جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حاطب ابن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل قتله لأنه مسلم بل قال:[إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ] فأجاب بأن المانع من قتله هو شهوده بدراً.وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل الجاسوس الذي ليس له مثل هذا المانع، وهو مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقتل وهو ظاهر مذهب أحمد والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام فإن كان في قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم.أهـ. وفي سنن أبي داود عَنْ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَكَانَ عَيْنًا لأَبِى سُفْيَانَ وَكَانَ حَلِيفًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَمَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ إِنِّى مُسْلِمٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَقُولُ إِنِّى مُسْلِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالاً نَكِلُهُمْ إِلَى إِيمَانِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ] وصححه الألباني.تنبيه: ويجب أن يعلم أن كثيرا من الجواسيس اليوم في بلادنا قد تعدوا الوصف الذي تكلم عنه بعض العلماء بل وقعوا في تولّي الكفار ومظاهرتهم على المسلمين، فهؤلاء لهم وصف زائد وحكم آخر وهو الردة .الفصل الرابع : الهدنةالهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة مشتقة من الهدون وهو السكون. تحرير ألفاظ التنبيه (1/322) مغني المحتاج (4/260)،وقال في النهاية في غريب الأثر (5/251):والهدنة الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين.قال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال:61-62).- ولا يجوز عقد الهدنة من غير الإمام أو نائبه لما يترتب على ذلك من المفاسد بخلاف الأمان لواحد من الكفار فإنه يجوز من آحاد المسلمين.وهذا متفق عليه بين العلماء. المبدع (3/398)- قال في تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام (1/231-234):ويجوز للإمام ونائبه عقد الهدنة لإقليم معين أو ناحية معينة إذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، إما لإراحة جيش الإسلام أو لترتيب أمورهم، أو لزيادة استعدادهم أو لتوقع إسلام الكفار أو قبولهم الجزية بغير قتال.أهـ- وتجوز مهادنة الكفار المحاربين في حال القوة إذا كانت الهدنة تحقق مصلحة راجحة للمسلمين،إلى مدة دون السنة إلا بشروط.- وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة إلى عشر سنين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشا عشر سنين،وفي الزيادة على عشر سنين خلاف،والراجح الجواز.- وتجوز الهدنة غير مؤقتة بمدة معلومة بأن يشترط الإمام أن له نقضها متى شاء،كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود خيبر.ومن العلماء من اشترط أن تكون الهدنة لأجل محدد لأن عدم اشتراط ذلك يفضي إلى تعطيل الجهاد.قال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى (4/613):ويجوز عقدها مطلقا ومؤقتا، والمؤقت لازم من الطرفين يجب الوفاء به ما لم ينقضه العدو، ولا ينقض بمجرد خوف الخيانة في أظهر قولي العلماء وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل الإمام فيه بالمصلحة.وقال في مجموع الفتاوى (29/140):ومن قال من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الهدنة لا تصح الا مؤقتة فقوله مع أنه مخالف لأصول أحمد يرده القرآن وترده سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.أهـ وقال ابن القيم في زاد المعاد (3/ 146): وفي القصة -يعني قصة الحديبية - دليل على جواز عقد الهدنة مطلقا من غير توقيت بل ما شاء الإمام ولم يجئ بعد ذلك ما يفسخ الحكم فالصواب جوازه وصحته وقد نص الشافعي في رواية المزني ونص عليه غيره من الأئمة .أهـ وفي الحاوي الكبير (14/352):قال الشافعي رحمه الله تعالى فإن أراد أن يهادن إلى غير مدة على أنه متى بدا له نقض الهدنة فجائز.أهـ وليس في ذلك تعطيل للجهاد فإذا شاء الإمام عند القدرة والمصلحة أن يغزوهم نبذ إليهم عهدهم وغزاهم. قال الماوردي (14/352): وهذا صحيح يجوز في الهدنة أن تكون غير مقدرة المدة إذا علقت بشرط أو على صفة لأن رسول الله حين وادع يهود خيبر قال أقركم ما أقركم الله ويكون الإمام مخيرا فيها إذا أراد نقضها.أهـ - ويجوز أن يعقد على مال يؤخذ منهم إذا أمكن، وعلى غير مال إذا تعذر، وعلى مال يدفع إليهم عند الضرورة، كالذي هم به رسول الله عام الخندق حين تمالأت عليه قريش وغطفان والأحابيش، أن يعطيهم شطر ثمار المدينة لينصرفوا عنها، فقال أهلها من الأنصار: يا رسول الله إن كنت تفعل هذا بوحي من السماء فالسمع والطاعة، وإن كان رأيا رأيته فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية تمرة إلا قرى أو شراء، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام، فلما عرف قوة أنفسهم كف وصابرهم على القتال حتى انصرفوا، فكان فيما هم بفعله من ذلك دليل على جوازه. قال ابن القيم في الزاد (3/306): ومنها مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة ودفع ما هو شر منها ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما .أهـ - ويجوز ابتداء الإمام بطلب الهدنة . قال ابن القيم في زاد المعاد (3/ 304): ومنها جواز ابتداء صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم .أهـ وعقد الهدنة موجب لثلاثة أمور: أحدها: الموادعة في الظاهر بالكف عن القتال وترك التعرض للنفوس والأموال. والثاني: ترك الخيانة في الباطن فلا يستسروا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه مثل أن يمالئوا في السر عدوا، أو يقتلوا في السر مسلما، أو يأخذوا له مالا أو يزنوا بمسلمة. والثالث: المجاملة في الأقوال والأفعال، بأن يكفوا عن القبيح من القول والفعل ويبذلوا الجميل في القول والفعل.الحاوي الكبير (14/352-383)وتنتقض الهدنة بأشياء منها:1- إذا انقضت المدة.2- إذا نقضوا الهدنة بالتصريح بنقض العهد أو فعلوا ما يوجب نقضه.3- إذا خالفوا شرطا من الشروط، كما إذا قاتلوا المسلمين أو كاتبوا أهل الحرب فيهم أو أطلعوهم على عورات المسلمين أو قتلوا مسلما - وإذا نقض بعض من تمت مهادنتهم فإن لم ينكر الباقون بقول ولا فعل انتقض عهد الجميع، وإن أنكروا عليهم واعتزلوهم وأعلموا الإمام أنهم مقيمون على العهد لم ينقض عهدهم. مطالب أولي النهى (2/586). - وإذا خيف من الكفار خيانة وأراد الإمام نقض العهد فلابد من نبذ ذلك إليهم، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال:58)- ولا يجوز تضمن الهدنة لأمر فيه مخالفة للثوابت العقدية أو لشرط فاسد مثل اشتراط رد المرأة عليهم إذا جاءت مسلمة ونحو ذلك من الشروط الفاسدة شرعا فإن عقدت الهدنة بشيء من هذه الشروط لم تصلح.- ولا يجوز الصلح مع المرتدين الممتنعين بشوكة، وفي هدنة الوثني خلاف بين العلماء.المحرر في الفقه (2/182)، مغني المحتاج (4/260)، كشاف القناع (3/112). الفصل الخامس: الاستعانة بالمشرك في الحرباتفق الفقهاء انه يجوز الاستعانة بالكفار في قتال العدو عند الضرورة لمقتضى القاعدة الفقهية المشهورة ((الضرورات تبيح المحظورات)). واختلفوا في حكمها إذا لم تكن هناك ضرورة على قولين . الراجح عدم الجواز، في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ ،فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ]. قَالَ لاَ قَالَ:[فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ]. قَالَتْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ:[فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ]. قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ:[تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ]. قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [فَانْطَلِقْ]. (المبسوط 10/24، الأم 4/166، المغني 13/98، المحلى 5/399، الذخيرة 3/406).- وقد اشترط من أجاز ذلك من العلماء شروطا منها: أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم،قال الإمام النووي (روضة الطالبين 9/55): تجوز الاستعانة بأهل الذمة والمشركين في الغزو ويشترط أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين ويأمن خيانتهم .أهـ وفي المجموع شرح المهذب : قال الشافعي: وواسع للإمام أن يأذن للمشرك أن يغزو معه إذا كانت فيه للمسلمين منفعة فقد غزا يهود من بني قينقاع بعد بدر وشهد معه صفوان بن أمية في شركه بعد الفتح في حرب هوازن وصفوان مشرك استعار منه سبعين درعا. ومن العلماء من يرى عدم جواز الاستعانة بهم في مباشرة القتال وإنما تجوز الاستعانة بما لديهم من خبرة وسلاح وفق الشروط التي تقدمت وهذا القدر لا خلاف فيه. الفصل السادس: الأسرى والمختطفونالأسرى والمختطفون من الكفار الحربيين يجوز فيهم أحد أربعة أمور هي: 1- القتل.2- المن عليهم وإطلاقهم بلا مقابل.3- استرقاقهم.4- الفداء بمال أو بعمل أو بأسرى المسلمين. وأمير الجماعة يختار الأصلح وهذا هو مذهب الجمهور. قال ابن قدامة في المغني (10/704): فإذا كان فيهم -أي:الأسرى- من له قوة ونكاية بالمسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كبير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي بالمسلمين يرجى إسلامه فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة فيفوض ذلك إليه .والواجب مراعاة وصايا الرسول r بالأسير والإحسان إليه ولا يشرع ضربه وإيذاؤه إلا لضرورة، قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (الإنسان:8).أهـ وقال شيخ الإسلام (28/355):إذا أسر الرجل منهم - أي من الكفار - في القتال أو غير القتال مثل أن تلقيه السفينة إلينا أو يضل الطريق أو يؤخذ بحيلة فإنه يفعل فيه الإمام الأصلح من قتله أو استعباده أو المن عليه أو مفاداته بمال أو نفس عند أكثر الفقهاء كما دل عليه الكتاب والسنة.أهـ أما الأسير المرتد فحكمه القتل، قال شيخ الإسلام (28/ 534):وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة منها: أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ذمة بخلاف الكافر الأصلي ، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد ، ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام.أهـ وعلى هذا جرى العمل عند الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ،في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ]. وعلى هذا التفصيل، فكل مرتد يقع بأيدي المجاهدين هو بين حالين: الأول: أن تكون ردته مغلظة فيقتل من غير استتابة، ويصرف ماله الذي اكتسبه بسبب ردته في مصالح الجهاد .الثاني: أن تكون ردته مجردة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وحكم ماله كالذي سبق، مع مراعاة التنبيهات الواردة في فصل المرتدين، فالمرتد الذي يقتل هو من يظاهر الكفار على المسلمين وليس مطلق الردة.ولا ينتقل عن هذا الحكم إلى المن أو الفداء بالمال والنفس إلا لمصلحة راجحة يراها الأمير. الفصل السابع : السبي السبي: ويحرم معاشرة نساء أهل الحرب إلا بطريق مشروع،وفعل ذلك من كبائر الذنوب وهو زنا محرم بالإجماع (ابن المنذر/ 100)،لان الأصل في الأبضاع التحريم ولا تحل إلا بطريقين :الأول: النكاح الشرعي.الثاني: ملك اليمين،ولا يجوز ذلك إلا بعد استبراء المسبية.في صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَىْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلاَلٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. ويراعى في هذه المسألة ثلاثة أمور:1- تقسيم الغنائم.2- رد النساء بعد الأسر.3- الاتفاقات بين المسلمين والكفار.وفي بلدنا وفي مثل حالنا:فإنه يمنع سبي نساء الكفار اليوم درءاً للفتنة والمفسدة الراجحة ولا بأس بمفاداتها. الفصل الثامن : جثث الأعداءبعد قتل الكافر أو المرتد الذي استوجب القتل هنالك أحكام تتعلق بجثته ،منها:1- يشرع دفنها أو مواراتها إن أمكن ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى بدر.2- ولا بأس من تمكين أهلها من دفنها ما لم يكن فيه ضرر على المجاهدين.3- والأصل عدم المثلة بها من قطع أو تحريق أو غير ذلك إلا معاملة لهم بالمثل أو لمصلحة راجحة يقررها أهل العلم والبصيرة،في سنن أبي داود أن سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ وعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَا: كَانَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ. وفي المسند عن سَمُرَة قَالَ قَلَّمَا خَطَبَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم خُطْبَةً إِلاَّ أَمَرَ فِيهَا بِالصَّدَقَةِ وَنَهَى فِيهَا عَنِ الْمُثْلَةِ. وفي البخاري قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ (يعني:بعد قصة العرنيين) كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ، وروى البخاري عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ:[اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا] ونقل ابن مفلح في الفروع (6/218) عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: إن المثلة (إذا كانت معاملة بالمثل) حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالا لهم عن نظيرها، فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان،فإنه هنا من باب إقامة الحدود والجهاد المشروع .أهـ وتنظر الاختيارات العلمية لابن تيمية للبعلي.وقال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (12/180): وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يمثلوا بالكفار إذا مثلوا بهم وإن كانت المثلة منهيا عنها، فقال تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل:126) ، وهذا دليل على أن جدع الأنف وقطع الأذن وبقر البطن ونحو ذلك هي عقوبة بالمثل ليست بعدوان والمثل هو العدل.أهـ (المبسوط 10/5، حاشية الخرشي 4/20، مواهب الجليل 4/548 ، المغني 13/199، الأم 4/245، بدائع الصنائع 6/96)*وتجوز مفاداتها بالمال عند الحاجة إليه إذ ليس هناك دليل صريح صحيح يمنع من ذلك ، فالقاعدة الفقهية تقول ((إن الحاجة تبيح المشتبه به لقوة المقتضي وضعف المانع)). الفصل التاسع: التترسالتترس: وهو اتخاذ الكفار من لا يحل قتلهم ترسا يعني درعا حاجزا وسترا حتى لا يصل إليهم القتل وتعرف في زمننا بمصطلح (الدروع البشرية) وهو أنواع بالنسبة للمتترس بهم:الأول: التترس بالنساء والأطفال:- إذا تترس العدو بنسائهم وأطفالهم فإنه مدعاة إلى قوتهم وإعادة ترتيب صفوفهم ووصول المدد إليهم فيجوز قتلهم ويتوقى قتل النساء والصبيان ما أمكن ما لم يشاركوا في القتال ويتأكد قتلهم في حال الالتحام.(المبسوط10/64 حاشية الدسوقي 2/178، المغني 13/141،كشاف القناع 2/378 ، روضة الطالبين 10/244).الثاني: التترس بالمسلمين،وله حالتان:1- حين التحام القتال والخوف على المسلمين من ترك الكفار المفضي إلى قتل بعض المسلمين معهم رهنا، فلا خلاف بين الفقهاء في جواز قتالهم ورميهم مع توقي المسلمين الذين تترسوا بهم قدر الإمكان (المبسوط 10/65، الأم 4/244، المغني 13/41، حاشية الخرشي 4/17، الإنصاف 4/129)2- في غير التحام القتال وعدم وجود الخوف على المسلمين فلا يجوز رميهم ما لم تكن هناك ضرورة أو حاجة ملحة تنزل منزلة الضرورة وهو قول أكثر العلماء (حاشية الخرشي 4/17، فتح القدير5/198، المغني 13/141، روضة الطالبين 10/245)وشروط جواز رمي المسلمين (الترس) عرضا لا قصدا تتلخص بالآتي:1. أن لا يستطيع المجاهدون استهداف الكافر إلا بقتل المسلم المتترس به.2. أن يكون في حالة الالتحام مع العدو. 3. أن تحصل نكاية بالعدو ظاهرة أعظم من مفسدة ذهاب أرواح أفراد من المسلمين لم يقصدوا. 4. أن يخرج الكفار المسلمين في صفوفهم وهم مكرهون. 5. أن يهجم العدو على المسلمين فيترتب على عدم القتال ما يخشى منه على المسلمين من الإحاطة بهم أو استئصالهم أو هزيمة تصيبهم أو كثرة في قتلاهم أو أي قدر يلحق بهم أعظم مفسدة من قتل المتترس بهم . *وإذا كان الأمر كذلك فإن المسلم الذي يقتل في مثل هذه الحال يبعث على نيته.فتح القدير(5/448)، المغني (10/505)، الأحكام السلطانية للفراء (47) قال شيخ الإسلام (28/547): وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم ،وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا، فان المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدا، وقد ثبت في الصحيحين عن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ]،قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ . قَالَ: [يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ]. فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (التوبة:52) ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرها لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين.أهـ تنبيهان:الأول: إن الأحكام التي ذكرها العلماء في باب التترس تتعلق بجيشين متقابلين وليس بما يعرف اليوم بحرب العصابات .الثاني: تجويز العلماء لقتل المسلمين في حال التترس لئلا يفضي عدم القتل إلى تعطيل الجهاد، لا ينطبق على واقعنا في أغلب صوره حيث يمكن ضرب العدو في أوقات وأماكن أخرى. الفصل العاشر: العمليات الفدائية أو الاستشهادية العمليات الفدائية: وهي قيام المسلم بقتل نفسه مباشراً أو متسبباً في سبيل الله لمصلحة شرعية، وعرّفت بالاقتحام بالنفس وقتلها بالانغماس في العدو لأجل النكاية به قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (28 / 540 ):إن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه ، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتل نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك (أولى) .أهـ وتشرع هذه العمليات بالشروط التالية : 1. أن تكون بإذن أمير الجماعة حصرا دفعا للمفاسد الحاصلة من العمليات الفردية . 2. أن تكون مصلحتها ظاهرة للمسلمين مثل تجرئتهم على الكفار وبث الرعب في صفوف العدو . 3. أن لا يكون المقتحم بدافع اليأس من الحياة والخروج من ضيقها وإنما شخص باع نفسه لله. 4. عدم إمكان حصول مثل هذه النكاية بالعدو إلا بهذه الوسيلة . 5. أن لا يترتب على ذلك حصول مفسدة أعظم . والأصل في قتال العدو هو مناجزته بالأساليب القتالية التقليدية وأما هذه العمليات فهي استثنائية يلجأ إليها عند الضرورة وبالشروط المذكورة أعلاه . الفصل الحادي عشر : الجيوش والشرط إن حقيقة وظيفة وعمل غالب الجيوش والشرط في بلدنا يتلخص في:1- نصرة الشرك والدفاع عنه ( بنصرة القانون والتشريع الكفري) .2- نصرة المشركين وتوليهم ومظاهرتهم على المسلمين .والنصوص الدالة على أن هذين سببان من أسباب الكفر البواح ظاهرة متضافرة فقد بين الله تعالى لنا -في أعوان الكفار وأوليائهم عموماً - أصلا محكما في قوله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) (النساء:76)، وقوله سبحانه : (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(المائدة: من الآية51) فالأصل فيمن قاتل في سبيل الطاغوت أو أظهر نصرته باللسان أو السنان، أنه من جملة الذين كفروا، وكان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته مع الكفار المحاربين وفي أنصارهم وأوليائهم وأحلافهم الذين ينصرونهم على المسلمين ، يسير على هذا الأصل .فالفرد يأخذ حكم الطائفة التي ينتمي إليها ويتبناها. قال شيخ الأسلام ابن تيمية (28/312):فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم. وقال: الطائفة الواحدة الممتنع بعضها ببعض كالشخص الواحد .وسئل رحمه الله عن جيش التتار ومن أعانه ممن انتسب للمسلمين (المجموع 28/504 )فقال: وقتال هذا الضرب واجب بإجماع المسلمين وما يشك في ذلك من عرف دين الإسلام وعرف حقيقة أمرهم فإن هذا السلم الذي هم عليه ودين الإسلام لا يجتمعان أبدا.أهـويستثنى من هذا الحكم ما يلي :1- من دخل بقصد النكاية بالكافرين أو كالعين ونحو ذلك.2- من دخل في صفهم بقصد حماية المسلمين وتخفيف الضرر عنهم ودفع الظلم أو تقليله والتزم بذلك.ويشترط في كل ذلك أن لا يرتكب كفرا.تنبيه:لا يشترط في المسلم المنغمس في صفوف الكفار بقصد النكاية بهم أن يكون منتميا إلى جماعة جهادية لتعدد الجماعات وانعدام الدليل على هذا الشرط. الباب الرابع : السياسة الشرعية الفصل الأول: مفاهيم وأصول في السياسة الشرعية· السياسة الشرعية تعني: القيام على شأن الرعية من قِبَل ولاتهم بما يصلحهم، من الأمر والنهي والإرشاد والتهذيب، وما يحتاج إليه ذلك من وضع تنظيمات أو ترتيبات إدارية، تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية، بجلب المنافع والأمور الملائمة، ودفع المضار والشرور والأمور المنافية.· وإن أحد موضوعاتها هو التشريعات السياسية التي تسير بمقتضاها الدولة أو بالتعبير القديم (الأحكام السلطانية)، أو بالتعبير المعاصر (النظام السياسي)، فإن البحث في النظام السياسي الإسلامي وتطبيقه في الواقع والاجتهاد في تكوين مؤسساته، ووضع النظم واللوائح المنظمة لذلك؛ هو مما يدخل في السياسة الشرعية.· والسياسة الشرعية باب من أبواب العلم والفقه في الدين، وفي قيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية والدنيوية، جليل القدر عظيم النفع، أفرده جماعة من العلماء بالتصنيف في القديم والحديث، وانتشرت كثير من مباحثه أو مسائلة في بطون كتب التفسير والفقه والتاريخ وشروح الحديث، وهذا الباب خطره عظيم ينتج عن الغلط فيه وعدم الفهم له شر مستطير، والخطأ في التفريط فيه كالخطأ في الإفراط؛ إذ كلاهما يقود إلى نتائج مرذولة غير مقبولة، وقد وضح ذلك ابن القيم في الطرق الحكمية (21) فقال:وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها،وأفرطت فيه طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، اهـ.· والظاهر أن عبارة "السياسة الشرعية" لم تكن مقيدة أولاً بقيد "الشرعية"؛ انطلاقًا من أن السياسة هي الإصلاح، ولا إصلاح حقيقيًا إلا بالشرع، فكان إطلاق لفظ "السياسة" بدون قيد كافيًا في إفادة المطلوب من عبارة السياسة الشرعية، ثم مع ضعف العلم وعدم الفقه الجيد لسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الولاة وعند من تقلد لهم القضاء؛ صارت السياسة تخالف الشرع، فاحتيج إلى تقييد السياسة بالشرعية، لإخراج تلك السياسة الظالمة من حد القبول، وتسمى السياسة الشرعية أحيانًا بالسياسة العادلة؛ وقد تحدث شيخ الإسلام عن هذا التغيير الحاصل في السياسة وبَيَّن سببه، فقال: لما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيًا في السياسة العادلة؛ احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية الحرب غير ولاية الشرع، وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة ... وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة،والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة، إذا حكموا ضيعوا الحقوق، وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء، وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات، والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل.أهـ. · والعلم بالسياسة الشرعية أمر ضروري لابد من تعلمه وإشاعته قال شيخ الإسلام ابن تيمية (28/325-326): ولهذا كان المقصرون عن علم الحجج والدلالات، وعلم السياسة والأمارات، مقهورين مع هذين الصنفين، تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم، و تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم على أنفسهم من أنفسهم ذلك، و تارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شر بعض في الدين والدنيا، وتارة يعيشون في ظلهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم، ولا وال يظلمهم وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع ، والسياسة الدافعة للظلم ،ولهذا قيل: صنفان إذا صلحوا صلح الناس، العلماء والأمراء، وكما أن المنفعة فيهما فالمضرة منهما، فإن البدع والظلم لا تكون إلا فيهما، أهل الرياسة العلمية وأهل الرياسة القدرية، ولهذا قال طائفة من السلف كالثوري وابن عيينة وغيرهما ما معناه: أن من نجا من فتنة البدع وفتنة السلطان فقد نجا من الشر كله.أهـ · وأدلة السياسة الشرعية ما وافق الشرع وما اندرج تحت أصوله وكلياته، وليس بالضرورة وجود دليل شرعي فرعي على كل مفردة ؛ قال الإمام ابن القيم: ومن له ذوق في الشريعة، وإطلاع على كمالاتها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشرعية، علمها من علمها وجهلها من جهلها، إلى أن يقول:فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله.أهـقال أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي (إعلام الموقعين 4/372): السياسة ما كان من الأفعال؛ بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي.، وقد قيده بقوله: ما لم يخالف ما نطق به الوحي.أهـ وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة رضي الله عنها:[لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا] حيث ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب من ترك بعض الاختيار، مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه، قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري1/225):ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولا ما لم يكن محرماً.أهـوالسياسة حسبما تقدم مجالها رحب فسيح، فهي ليست مقصورة على شيء أو محجوزة عن شيء؛ إذ هي:القيام على الشيء ـ بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول ـ بما يصلحه، فيعمل بها كل صاحب ولاية في تدبير أمر ولايته. ومقصد الشرع تحقيق المصالح ودرء المفاسد والموازنة بينها عند التزاحم قال ابن تيمية في السياسة الشرعية (1/43): الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع أهـ ، وقال ابن القيم في الجواب الكافي(1/108):والتحكيم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي يكون عليها مدار الشرع والقدر، وإليها يرجع الخلق والأمر، وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتـت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو اكبر منها، فتفوت مصلحة لتحصيل ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها .أهـ. · والإصلاح في السياسة ليس مجرد هدف أو غاية تسعى السياسة في حركتها لتحقيقه، بل هو السياسة نفسها وحقيقتها، إذا فقدته فقدت نفسها.· ولا مصلحة أعلى من التوحيد ولا مفسدة أعظم من الشرك.· والنظر في النتائج المتوقعة والمآلات معتبر مقصود شرعا، قال الشاطبي في الموافقات (4/194-195): النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة أي مأذونا ًفيها أو منهيا عنها ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة على المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. أهـ .· ويجب الابتعاد عن كل ما يسيء إلى سمعة المجاهدين وإن كان مشروعاً في الأصل، إذا ترتب عليه مفسدة راجحة، ويجب مراعاة مدارك الناس كما في ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل بعض من يستحق القتل ممن ظهر نفاقه دفعا للمفسدة الظاهرة، كتركه قتل عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين،ففي الصحيحين، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ فَعَلُوهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِى أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: [دَعْهُ لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ]. وفي صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ وَفِى ثَوْبِ بِلاَلٍ فِضَّةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِى النَّاسَ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ.قَالَ: [وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ]، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ:[مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّى أَقْتُلُ أَصْحَابِي إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ]. · وتجب إقامة ما يمكن إقامته من الدين على قدر الاستطاعة إذا لم يمكن إقامة الدين كله ،قال شيخ الإسلام (28/599): فكما يجب إزالة الظلم يجب تقليله عند العجز عن إزالته بالكلية فهذا أصل عظيم والله أعلم.أهـ، وقال أيضاً (20/148- 149): وكثيراً ما يتولى الرجل الإمامة والقضاء بين المسلمين والتتار والكافرين، وفي نفسه كثير من العدل والشرع لا يستطيع أن يقيمه، لأن الأمر خارج عن يده وإرادته. وقال العلامة العز بن عبد السلام في قواعد الإحكام (1/73): ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد.· وينبغي تضييق دائرة الصراع مع العدو بدءاً بالأهم فالمهم فالذي يليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع غطفان يوم الأحزاب ومع قريش يوم الحديبية؛ ومن أمثلة السياسة في عصر الراشدين رضي الله عنهم، ما قام به أبو بكر رضي الله عنه من استخلافه لعمر رضي الله عنه، وما قام به عمر من جعل أمر الخلافة شورى في ستة من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، رعاية لمصلحة الأمة ولتجنيبها مضرة الاختلاف، ومن ذلك جمع عثمان رضي الله عنه المسلمين على مصحف واحد، وإحراق ما سواه من المصاحف؛ لأن ذلك يحقق المصلحة من الائتلاف والاتفاق، ويدفع مضرة التفرق والاختلاف، وكذلك ما أمر به عثمان من إمساك ضوال الإبل لما ضعفت الأمانة، وصار تاركها مضيعًا لها على أصحابها، ومن ذلك نفي عمر بن الخطاب لنصر بن حجاج لما افتتنت بعض النساء بجماله ـ من غير ذنب ارتكبه ـ لما كان في ذلك تحقيق مصلحة العفة والطهارة، ودفع مضرة تعلق القلوب به، وما حصل في العصور التي بعدهم مثل تسعير السلع التي يضطر إليها الناس إذا تمالأ التجار على رفع سعرها بغير مسوغ يدعو لذلك، فكان في التسعير دفع مضرة الظلم عن الرعية من غير ظلم للتجار، والأمثلة في هذا كثيرة، والجامع بينها تحقيق المصلحة ودفع المضرة من غير مخالفة للشريعة. الفصل الثاني:متطلبات النظر في السياسة الشرعيةنظرًا لطبيعة السياسة الشرعية على الوجه المتقدم بيانه، فإنه يلزم الناظر والمتفقه فيها ، عدة أمور ومنها:§ المعرفة التامة بأن الشريعة تضمنت غاية مصالح العباد في المعاش والمعاد.§ وأنها كاملة في هذا الباب صورة ومعنى؛ بحيث لا تحتاج إلى غيرها؛ فإن الله تعالى قد أكمل الدين، وقال:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (المائدة: من الآية3) § الاطلاع الواسع على نصوص الشريعة، مع الفهم لها ولما دلت عليه من السياسة الإلهية أو النبوية.§ المعرفة الواسعة الدقيقة بمقاصد الشريعة، وأن مبناها على تحصيل المصالح الأخروية والدنيوية ودرء المفاسد.§ المعرفة بالواقع والخبرة فيه، وفهم دقائقه، والقدرة على إسقاط الأدلة وكلام العلماء على ذلك الواقع.§ دراسة السياسة الشرعية للخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الدين، والتفقه فيها.§ معرفة أن الاجتهاد في باب السياسة الشرعية ليس بمجرد ما يتصور أنه مصلحة، وإنما يلزم التقيد في ذلك بالمصالح المعتبرة شرعًا.§ رحمة الناظرين في هذا الباب بعضهم بعضًا عند الاختلاف في مواطن الاجتهاد.الفصل الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرذكر ابن القيم في إعلام الموقعين (3/16) أربعة أحوال يتحدد بها حكم الإنكار ويفهم منها ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقول رحمه الله :الأولى: أن يزول (أي المنكر) ويخلفه ضده (أي المعروف) وهذه غاية الإنكار، وهي الدرجة الواجبة على جميع المسلمين، وبها يتحقق المطلوب وهو إزالة المنكر بجملته .الثانية: أن يقل وان لم يزل بجملته، وهذه الدرجة أيضا مطلوبة وفعلها واجب، فالمنكر إن لم يزل كلية فانه خف وقل ضرره .الثالثة: أن يزول المنكر ويخلفه مثله، وهذا موضع اجتهاد فتارة يصلح النهي وتارة يترجح السكوت، فيرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع .الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه، وهذه الدرجة محرمة، لان الإنكار هنا يستلزم حدوث ما هو أعظم منه بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله ومخالفة أوامره عز وجل.أ.هـ .قال شيخ الإسلام (28/126): وإذا كان كذلك معلوم، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإتمامه بالجهاد هو من أعظم المعروف الذي أُمرنا به، ولهذا قيل ليكن أمرك بالمعروف بمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر، وإن هذا من أعظم الواجبات والمستحبات. فالواجبات والمستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد. بل كل ما أمر الله به فهو صلاح وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذم المفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به، وإن كان قد ترك واجباً وفعل محرماً، إذ المؤمن عليه إن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم.أهـ الفصل الرابع : الحسبة (المتابعة)الحسبة من الضمانات الهامة لدوام العمل وتحصيل النتائج المرجوة وهي جهد متواصل يدور على محورين: الأول: محور العمل: لضمان صحة خطوات العمل ومراحله وتنفيذه كما خطط له، والتصدي للطوارئ العارضة بسرعة وكفاءة، وسد ما قد يعرض من نقص، وتقويم العوج والأخطاء وعدم تكرارها وتراكمها، والتعرف على الخلل مبكراً ومعالجته قبل أن يتفاقم.الثاني: محور النتائج: للتأكد من النجاح واستمراره، والحفاظ على ثمرات الجهاد ومكتسباته ، ومعرفة الكفاءات والإمكانات البشرية في الجماعة، والوصول إلى التقييم الصحيح لوضع كل شيء في محله .وجهد الاحتساب والمتابعة هذا يتوجه إلى عدة أمور منها :1- متابعة تطبيق العقيدة والمنهج والسياسات العامة التي تتبناها الجماعة.2- الانضباط داخل الجماعة، من حيث السمع و الطاعة والنواحي الأمنية.3- متابعة تنفيذ البرامج والخطط.4- متابعة القيادات وعلاقتهم مع أفرادهم ومع أقرانهم وقيادتهم.وهذا الجهد المتواصل هو مسؤولية الجميع كل بحسبه، انطلاقا ًمن واجب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ولقول رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:[أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ]، متفق عليه من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهمالكن المسؤولية الأعظم تقع على الأمير ، فترك المتابعة تضييع للأمانة ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ]رواه أبو داود الفصل الخامس: إسناد المهام داخل الجماعة· من ثبتت كفاءته من خلال الممارسة العملية يقدم على غيره ويبوأ المكان اللائق به فالمنصب تكليف لا تشريف وأمانة عاقبتها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها،عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِى ثُمَّ قَالَ: [يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْىٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا]، قال ابن حجر: والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها.· ولا يشرع للمسلم أن يطلب الولاية لنفسه،ومن فعل ذلك فلا يولى،في الصحيحين عَنْ أَبِى مُوسَى رضى الله عنه قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَا وَرَجُلاَنِ مِنْ بَنِي عَمِّى فَقَالَ: أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: [إِنَّا وَاللَّهِ لاَ نُوَلِّى عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلاَ أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ]، ولا بأس بأن يبين الرجل ما عنده من الخبرة والكفاءة كما قال الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف:55) · منع تسلق مَن عُرِفَ بتاريخ مريض كحب الزعامة وخوارم المروءة والكذب والخداع وإن كان لديه بعض المؤهلات من الوصول إلى موضع زعامة أو صنع قرار أو استلام أمانات.· مراعاة التخصص والسبق ووضع الرجل المناسب في مكانه المناسب والعدل وتوزيع الأدوار . الفصل السادس : القيــادة لابد للجماعة من قيادة وهذا أمر بدهي وسنة من سنن الله تعالى في خلقه فضلاً عن كونها هدياً نبوياً جاء في(جامع بيان العلم وفضله1/63): عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال: لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة.أهـ وعلى القيادة مهام جسام ولها صلاحيات لتقوم بهذه المهام،ولا بد من علاقة مميزة بين القائد وأتباعة لتحقيق الأهداف النبيلة من هذا الاجتماع، ومن ذلك:أولاً: ما على القائد:1- تقوى الله وحماية نفسه وجنده من الوقوع في المعاصي ، فقد كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، ومن معه من الأجناد، في مسيرهم لقتال الفرس، أما بعد: (فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى مكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنْصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلم ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا أن عدونا شر منا، فلن يُسَلَّط علينا فرب قوم سُلِّط عليهم شرٌ منهم.2- إتباع سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب والسلم .ففي صحيح مسلم كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِى خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: [اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَ لاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ].3- تحري العدل في التعامل مع الجند ، في صحيح مسلم ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا]. فمن أقام العدل بين جنوده ملكهم وتألف قلوبهم وترابطوا أجساما وقلوبا وسمعا وطاعة ونفذوا كل ما يطلب منهم وبالعكس تنكسر قلوبهم وينحل ترابطهم. المغني (13/36)4- مشاورة أهل الرأي . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائد وكان أهل الشورى هم أعيان المهاجرين والأنصار وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه كانت الشورى لأعيان المهاجرين والأنصار ووجهاء القوم ممن اسلم بعد الفتح ، قال عمر رضي الله عنه: إن الرأي لأهل المدينة من المهاجرين والأنصار، والأعراب بعد ذلك لهم تبع . - والشورى في الإسلام فيها قولان: قول بالاستحباب، وقول بالوجوب، وهذا الأخير يلائم حالنا حيث أن الأمراء الحاليين غير مستكملين لصفات الخليفة كما كان عليه الخلفاء الراشدون، فلابد للأمير من دوائر شورى متنوعة شرعية وعسكرية وسياسية وإدارية واقتصادية وإعلامية وغير ذلك مما يتناسب مع حجم الصراع وضخامة المعركة. ولا يلزم الأمير أن يستدعي كل أعضاء الشورى في كل مسألة.- كما أن الشورى غير ملزمة للأمير.5- مراعاة الجند والرفق بهم وعدم تعريضهم للهلاك.6- إتقان التدبير وحسن التأتي لما يراد فعله أو تركه،واستثمار كافة الطاقات.7- الواجب أن تكون قيادة العمل من أهل الخبرة والمعرفة بأحوال البلد . الثاني: ما يجب على الجند1- الطاعة ما لم يؤمروا بمعصية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :[مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أطاعني ، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عصاني ، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا ، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ] رواه البخاري وفيه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: [السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ] رواه احمد والترمذي.2- النصح للقائد : في صحيح مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:[الدِّينُ النَّصِيحَةُ ] قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ:[لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ]، قال في كشاف القناع(2/ 393 ):إن قائد الجند داخل في أئمة المسلمين فيجب النصح له ولأنهم بنصحه ينصحون للمسلمين ولأنه يدافع عنهم فإذا نصحوه كثر دفعه عنهم.أهـ الفصل السابع: قوة الجماعة من أسباب قوة الجماعة الجهادية أمران :1- سرية التنظيم وضبطه.2- السمع والطاعة .إن انعدام أو ضعف السمع والطاعة يؤدي إلى الفوضى وتفكك الجماعة وعنصر السمع والطاعة عند الفرد المبايع للجماعة ينبغي تعميقه من الأيام الأولى في نفسه من خلال بيان الأدلة الشرعية له التي توجب ذلك، يعززه ثقة الفرد بالقيادة وبصحة منهجها وعقيدتها وحسن سياستها وسد حاجات أفرادها ولو معنوياً إن لم يكن مادياً ومن خلال المتابعة المستمرة وصلة القيادة بالأفراد ومعرفة ومعايشة مشاكلها وان تكون المثل الأعلى والأسوة الحسنة للأتباع كما قالوا عن الفاروق رضي الله عنه: عففت فعفت رعيتك ، ولو رتعت لرتعوا . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة. قال شيخ الاسلام ابن تيمية (34/ 175-176): والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه. فمتى أمكن إقامتها مع أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية مايزيد على إضاعتها لم يدفع بأفسد منه. والله أعلم أهـقال ابن قدامة في المغني (8/353): فإن عدِمَ الإمام لم يؤخر الجهاد فإن مصلحته تفوت بتأخيره فـإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع.قال ابن عثيمين في الشرح الممتع (5/290) ، في معرض حديثه عمن يسـتـتيب المرتد فيقول: الإمام أو نائبه فإن لم يكن الإمام أو نائبه فأمير القوم أو رئيسهم وكبيرهم كما لو كان في بلد غير بلد الإسلام لا يوجد إمام ولا نائب للإمام فإنه إذا كان على هؤلاء (طائفة من المسلمين) أمير أُمِّر أو رئيس أو ما أشبه ذلك صار الحكم متعلقاً به.- تنبيه: ومن السمع والطاعة فيما إذا فرغت الجماعة شخصاً أو أكثر لعمل كأن يكون طلب العلم أو غيره وأمرته بالتزامه حرم عليه الخروج لغير ذلك أو تركه لأن في ذلك إخلال بالواجب المسند إليه من قبل الجماعة والذي قد لا يسده غيره. الفصل الثامن: الاجتماع أو الفشل - الاجتماع تحت راية شرعية واحدة من أولوياتنا. فإن من أعظم ما أمر الله تعالى به الاجتماع والائتلاف ومن أعظم ما نهى عنه الفرقة والتنازع والاختلاف بين المسلمين عامة،والمجاهدين والعاملين بصورة خاصة. فيجب نبذ التعصب الحزبي والنظرة الضيقة والسعي لتوحيد الجماعات الجهادية تحت راية واحدة وتضييق الخلافات بين الأمة عموماً وفصائل المجاهدين خصوصاً تأليفاً للقلوب ومنعاً لأي فرصةٍ يغتنمها العدو لاختراق الصف وتفريق الأمة. وقد استفاضت الآيات الشريفة والأحاديث النبوية في هذا الموضوع، وأما أقوال العلماء فإنها تفوق الحصر، فضلاً عن الأدلة العقلية والتجارب الكثيرة وما يمليه الواقع وما تحتمه الظروف الراهنة، قال الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103) وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:105)، وتوعد الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ونزه نبيه أن يكون منهم فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام:159)، وحذرنا أن نكون:(مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم:32)، وقد بين سبحانه أن التفرق والتنازع بريد الفشل وذهاب القوة فقال سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)، وقال: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:152)، في مسلم عن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَوْمًا، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِى آيَةٍ فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْرَفُ فِى وَجْهِهِ الْغَضَبُ فَقَالَ:[إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلاَفِهِمْ فِى الْكِتَابِ]، وفي الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: [عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ]، وصححه الألباني في صحيح الترمذي(2165) ،وفيه أيضا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ] وهو في صحيح الترمذي (2166)، وفي سنن النسائي عَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ الأَشْجَعِىِّ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم، عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: [فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْكُضُ] وصححه الألباني في صحيح النسائي (4020)، قال ابن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة. وقال القرطبي: فإن الله تعالى يأمر بالإلفة وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة، ورحم الله ابن المبارك حيث يقول : إن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: إن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله ، وسبب الفرقة ترك حظ مما أُمر العبد به والبغي بينهم. وقال: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب.- وأشد الاختلاف وأشره ما كان بين العلماء والأمراء فهو الذي يوجب تسليط الأعداء قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله. ومن مظاهر وأسباب هذا الخلاف في نفس الوقت تراشقٌ مستمرٌ بالتهم، دون بينة من شرع، أو دليل من عقلٍ، أو أثارة من علم، مع تعصب مقيت للآراء والشعارات، والأشخاص والجماعات، والأقوام والأوطان، وتحكيمٌ للهوى ومصادرة لأي رأيٍ مخالف.وما ذاك إلا بسبب غياب منهج أهل السنة والجماعة الذي يضبط علاقات المسلمين فيما بين بعضهم البعض، ويضبط مواقف الجماعات والفصائل المختلفة، واجتهاداتها وآراءها، ولا شك أن ضبطها يكون بالعلم والعدل والإنصاف، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)، قال شيخ الاسلام ابن تيمية:فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض إذا لم يكن عالماً عادلاً كان في النار، فكيف بمن يحكم في الملل والأديان، وأصول الإيمان، والمعارف الإلهية والمعالم الكلية بلا علم ولا عدل. وقال ابن القيم:وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق، وغايته النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين، وإن جعل الحق تبعاً للهوى فسد القلب والعمل والحال والطريق، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:71) وخلاف هذا المنهج هو منهج أهل الأهواء والبدع والفرقة والذي يقوم على نقيض ذلك من الجهل والظلم والتعصب . الباب الخامس: البنية الاقتصادية وهذا العمل هو عمل جهادي لا يقل في وجوب ضبطه عن وجوب ضبط العمل العسكري والتنظيمي وقد ذكر الله تعالى الجهاد بالنفس والمال في عشر مواطن ،قدم في تسعة منها الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس،قال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41)، وفي مسند الإمام أحمد وعلقة البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ]، والحديث في صحيح الجامع (2831). ومن المواضيع الهامة في هذا الباب:الفصل الأول: الغنائمالغنيمة : هي المال المأخوذ من أهل الحرب بالقتال على سبيل القهر والغلبة (بدائع الصنائع 6/90، الوسيط في المذهب 7/32)قال تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنفال:69) - وخمسها يرد إلى بيت المال و الأخماس الأربعة الباقية توزع على الجند و يجوز للإمام أن يتصرف فيها حسب المصلحة و له أن يمنع بعض المقاتلين وله أن يخص البعض ويفضل حسب البلاء وحسب المصلحة. قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال:41) - والغنيمة تخمس عدا الأراضي .... المغني (2/462-463) قال شيخ الإسلام (17/492): وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والعقار والمنقول ما هو أصلح ، ثم ذكر فتح خيبر وفتح مكة ثم حنيناً وتوزيع الغنائم فيها على المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً ، ثم قال :وكذلك المنقول من قال: إنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة، فقوله ضعيف، بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفضل في كثير من المغازي، إلى أن قال: وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده كما يقسم الفيء باجتهاده، إذا كان إمام عدل قسمها بعلم وعدل، ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة الميراث بين الورثة، وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية.- والمعاونون للمجاهدين من المجاهدين، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ وَمُتَسَرِّعُهُمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِى عَهْدِهِ] قال الألباني في سنن إبي داود(2751): حسن صحيح.- قال ابن القيم في زاد المعاد (3/484): فإن قيل لو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه هل يسوغ له ذلك أي إعطاء الغنائم أو الجزء الأكبر منها له. قيل الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين فان تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه ليأمن المسلمون شرهم ساغ له ذلك بل تعين عليه. وهل تجوز الشريعة غير هذا فانه وان كان الحرمان مفسدة فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين وبالله التوفيق.تنبيه:ينبغي ملاحظة الفرق في هذه المسالة فيما يتعلق بحرب العصابات الآن والغنائم في معارك المسلمين القديمة. الفصل الثاني: الغلولالغلول: ما اخذ من الغنيمة أو الفيء على وجه الكتمان مما لم يبح الانتفاع به مما يجب قسمته بين العسكر ولا فرق بين أن يكون كثيرا أو قليلا.وحكمه انه حرام شديد الحرمة قليله وكثيره ، من عظائم الذنوب وكبائر المعاصي وموبقات الآثام.قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:161) وفي الصحيحين عن أَبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه يَقُولُ افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ، وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلاَ فِضَّةً ، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى وَادِى الْقُرَى ، وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِى الضِّبَابِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [كَلاَّ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا] قَالَ فَفَزِعَ النَّاسُ. فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ ، فَقَالَ هَذَا شَىْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :[شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ] والشملة : كساء يتغطى ويتلفف فيه. وعقوبة الغال عظيمة قسمان:1) الآخروية: أ- يحرم من الفوز بالشهادة وان قتل في المعركة، ب- يعذب بالنار،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [هُوَ فِى النَّارِ]. فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا .رواه البخاري ،وفيه عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ فُلاَنٌ شَهِيدٌ حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلاَنٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [كَلاَّ إِنِّى رَأَيْتُهُ فِى النَّارِ فِى بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ]. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِى النَّاسِ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ]. قَالَ فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ:أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ.وقد صرح النووي في شرح مسلم (13/63) بان من غل لا يكون شهيدا في الآخرة أ.هـ ج- يأتي بما غل يوم القيامة يحمله معذبا به وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد لقوله تعالى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) ،والمراد من يأخذ من غنائم المسلمين شيئا وفيئهم يأتي به يوم القيامة في المحشر حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته وموبخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد (جامع البيان 3/501، الجامع لأحكام القرآن 4/249)وفي البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه ،قَالَ قَامَ فِينَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم ،فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ قَالَ: [لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ .عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَغِثْنِى. فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ ، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِى . فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِى . فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ . أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِى . فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ] 2) الدنيوية، وهي نوعان: أ- عامة: -إلقاء الرعب في قلوب جيش المسلمين :عن ابن عباس رضي الله عنه قال:"ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب" رواه مالك-تأخر النصر: لكونه من المعاصي الكبيرة :وكان عمر وابو ذر وغيرهما اذا سمعوا ثبات العدو أمام المسلمين يقولون غللتم ورب الكعبة. (مشارع الأشواق 2/818 ) ب- خاصة: ما يراه الإمام مناسباً لعقوبة الغال وردع أمثاله كالتعزير بالضرب أو الحبس أو حرق المتاع أو بعضه.ما يجوز أخذه من الغنيمة قبل القسمة: 1- الأكل بقدر الحاجة من الغنيمة إذا كانت طعاماً وهذا مجمع عليه بين الفقهاء كما في (شرح النووي 11/344، وعون المعبود 7/264، والمغني 13/126)، وعنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ كُنَّا نُصِيبُ فِى مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلاَ نَرْفَعُهُ. رواه البخاري، وفيه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رضى الله عنه قَالَ كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ، فَنَزَوْتُ لآخُذَهُ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ . 2- تموين المركوب بما يحتاج إليه حتى يرجع من المعركة مثل علف الدواب ،والوقود وقطع الغيار في زمننا وأشباهها.وهذا متفق عليه بين العلماء كما في:(فتح الباري 6/314، والمبسوط 10/34، والمغني 13/136،والأم 4/261)3- استعمال الأدوية والعلاج بقدر الحاجة للمرضى والجرحى والمصابين في المستشفى أو خارجه (المغني 13/128، روضة الطالبين 10/262، الذخيرة 3/420)4- استعمال السلاح من الغنيمة قبل القسمة إذا احتاج إليه المجاهد في قتال العدو ثم يرد ما بقي منه بعد القتال ولا يضمن ما استعمله من عتاد أو ما تلف من غير تقصير. ولا يجوز استعماله قبل القسمة إذا لم تكن هناك حاجة (بدائع الصنائع 6/111، المدونة 2/36،مغنى المحتاج 6/44 ،كشاف القناع 2/399) الفصل الثالث: الفيء الفيء: ما أخذ من أموال الكفار بغير قتال. (الأم 4/139، المبسوط 10/7) قال الله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحشر:6) وعَنْ عُمَرَ رضى الله عنه قَالَ:"كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِى النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِىَ فِى السِّلاَحِ وَالْكُرَاعِ ، عُدَّةً فِى سَبِيلِ اللَّهِ " صحيح البخاري قسمة الفيء: لا خلاف بين الفقهاء على جواز اخذ الفيء، قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر:7) ويعطى لجميع المسلمين ويدخل الجنود فيه دخولاً أولياً فيعطون منه ما يكفيهم وهذا قول الجمهور (بدائع الصنائع 6/88 ، بداية المجتهد 1/406 ، الأحكام السلطانية 288 ، الشرح الممتع 8/44 )قال الفاروق عمر رضي الله عنه: ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب إلا العبيد فليس لهم فيه شيء وقرأ: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) حتى بلغ (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) (الحشر: من الآية10) فقال: هذه استوعبت المسلمين ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه.أهـ وقال الإمام احمد (كشاف القناع 2/420): فيه حق لكل المسلمين. الفصل الرابع: النفل النَّفْل:وهو الزيادة على سهم المجاهد لغاية شرعية. وقد اتفق الفقهاء على جواز تنفيل الإمام من الغنيمة لجميع الجيش أو لبعضه قبل قسمة الغنائم أو بعدها، بحسب ما يراه الإمام من مصلحة للمسلمين وما فيه تحريض على القتال أو مكافئة على بأس أو شجاعة أو تميز في القتال، (فتح القدير 5/249، شرح السير الكبير 2/121، المدونة 2/29 ،الكافي في فقه الإمام احمد 4/176، الأم 4/144 )والراجح: أن النفل من أربعة أخماس الغنيمة وليست من خمس بيت المال ولا ينبغي أن يزيد هذا النفل على ثلث الأربعة أخماس.ولا يشترط في زمننا أن يكون النفل من الغنيمة أو الفئ ويمكن ان يكون من ميزانية الجيش وقد يكون شيئا معنويا كالرتب العسكرية والأوسمة (أحكام المجاهد بنفسه 2/473 – 480) الفصل الخامس: السلبالسَلَب: هو ما على الأسير أو القتيل من ملابس وسلاح عادي لا يخرج عن المعهود.· أما إن كان السلب غالياً نفيساً فأمره إلى الإمام . · وان كان مع الأسير أو القتيل سيارة أو أموال محمولة فهذه لا تعد من السلب بل هي من الغنائم.· ويشترط لمن يستحق السلب ان يغرّر بنفسه . · ولا يستحق المجاهد السلب ابتداءاً دون الرجوع إلى الأمير أو من يخوله.الخاتمةقال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/88 ) : فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله.أهـ وقال الذهبي في السير (16/285): والكمال عزيز ، وانما يمدح العالم بكثرة ما له من الفضائل ، فلا تدفن المحاسن لورطة ولعله رجع عنها ، وقد يغفر له في استفراغه الوسع في طلب الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله.وقال : ولو آخذنا كل واحد بزلته لم يبق لنا لا ابن مندة ولا ابن خزيمة ( وهما من كبار أئمة الدين) ولا غيرهما. تنبيه هام عام: ينبغي أن يراعى في بعض الأحكام التي يتناولها المنهج في بحوثه أنها متعلقة بواقع العراق المحتل من قبل عدوٍ صائلٍ له خصوصية قد لا توجد في واقع أخر . الله أكبر و العزة لله
الجيش الاسلامي في العراق
|